الجميع خاسر: لماذا قد تتحول حرب إيران إلى كارثة لا يربح منها أحد؟
هل نحتاج حرباً جديدة كي نكتشف مرة أخرى أن الشرق الأوسط لا يُدار بالرهانات النارية، بل يُدفَع إليها دفعاً؟ هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه بعد التحذيرات التي أطلقها المفكر الأميركي جيفري ساكس من أن أي حرب على إيران لن تكون “معركة محسومة”، بل بوابة إلى دمار متبادل وأزمة اقتصادية عالمية قد لا تنجو منها حتى الدول التي تتوهم أنها بعيدة عن خط النار.
ساكس لا يتحدث بلغة عاطفية، ولا يبيع أوهام “النصر السريع”. جوهر تحذيره بسيط ومزعج في آن واحد: الحرب على إيران ليست عملية جراحية دقيقة، بل مقامرة واسعة على الإقليم والعالم. فإيران ليست جزيرة معزولة يمكن ضربها ثم العودة إلى البيت بسلام. إنها طرف مركزي في معادلة الطاقة والملاحة والأمن الإقليمي، وأي اهتزاز فيها سينتقل تلقائياً إلى أسعار النفط، سلاسل الإمداد، أسواق المال، وممرات التجارة.
وهنا تكمن المفارقة التي يتجاهلها دعاة التصعيد: من يظن أن الحرب “ستُضعف الخصم بسرعة” قد يكتشف أن الخصم ليس وحده من يدفع الثمن. الخليج نفسه سيكون في دائرة الخطر المباشر، ليس فقط بسبب الجغرافيا، بل لأن أي توسع للصراع قد يجعل منشآت الطاقة والممرات البحرية أهدافاً أو رهائن. وإذا اشتعل مضيق هرمز أو اضطربت حركة الملاحة فيه، فإن الأزمة لن تبقى شرق أوسطية؛ ستتحول إلى صدمة عالمية تمس أوروبا وآسيا والولايات المتحدة قبل غيرها.
لكن دعونا لا نقع في فخ التبسيط المعاكس. فليست كل التحذيرات من الحرب بريئة بالكامل من الحسابات السياسية. هناك من يبالغ في تصوير “الانهيار الشامل” كما لو أنه قدر لا مفر منه، بينما الواقع أكثر تعقيداً. صحيح أن الحرب ترفع المخاطر، لكن حجم الانفجار يتوقف أيضاً على مدة الصراع، ونوع الأهداف، وردود الفعل الإقليمية، ودرجة تورط القوى الكبرى. لهذا فإن الحديث عن كارثة عالمية ليس استعراضاً خطابياً، بل قراءة في سلسلة احتمالات مترابطة: كل حلقة فيها قد تكسر ما بعدها.
الأخطر في رؤية ساكس أنه يفضح منطقاً سياسياً بات مألوفاً: تحويل الحرب إلى أداة لإعادة هندسة المنطقة. هذا المنطق لا يرى الإنسان، بل يرى “النتيجة”. لا يسأل كم سيدفع المدنيون، ولا كيف ستتأثر أسواق الغذاء والطاقة، ولا ما الذي سيحدث للدول الهشة أصلاً حين ترتفع الأسعار وتضيق هوامش المناورة. وقد رأينا بالفعل كيف يؤدي مجرد التلويح بالحرب إلى خسائر اقتصادية بالمليارات، وإلى إجراءات استثنائية في دول بعيدة نسبياً عن الجبهة. فكيف إذا تحولت التهديدات إلى اشتباك مفتوح؟
ثم هناك البعد السياسي الأخطر: الحرب لا تُغلق الملفات، بل تفتحها على جبهات أسوأ. فبينما ينشغل العالم بإيران، تتسع شهية القوى الإسرائيلية المتطرفة لتصفية الحسابات في غزة والضفة ولبنان، تحت غطاء “الضرورة الأمنية”. وفي هذه اللحظة تحديداً، يصبح التواطؤ الدولي أخطر من الصواريخ؛ لأنه يمنح الحرب غطاءً أخلاقياً زائفاً، ويحوّل الانتهاكات إلى “تفاصيل جانبية”.
التحالفات الشخصية بين القادة، كما يشير ساكس، ليست مجرد خلفية نفسية. حين يقترب السياسي من منطق المغامرة، ويدخل في شراكات قائمة على التصعيد لا على التوازن، فإن القرار العسكري يفقد رشده تدريجياً. وهنا لا تعود الحرب قراراً عقلانياً بقدر ما تصبح امتداداً لمزاج سياسي يريد إثبات القوة ولو على حساب الاستقرار العالمي.
في المقابل، ثمة من يقول إن الخطر الحقيقي ليس في الحرب، بل في “ترك إيران بلا ردع”. هذا الاعتراض مفهوم، لكنه لا يبرر فتح أبواب الجحيم. الردع لا يعني بالضرورة إشعال المنطقة، والسياسة ليست مسابقة في إثبات من يملك القدرة على التدمير الأكبر. إذا كان النظام الدولي عاجزاً عن إنتاج تسوية عادلة، فهذا لا يعني أن البديل هو التفجير الشامل.
الخلاصة التي ينبغي قولها بلا مواربة: الحرب على إيران، إذا اندلعت، لن تصنع منتصراً واضحاً. ستنتج فقط خسائر متبادلة، وارتفاعاً في الأسعار، وتآكلاً في الأمن الإقليمي، وربما إعادة تعريف لمعادلات القوة بطريقة أكثر فوضوية وخطورة. وساكس، مهما اختلفنا معه في التفاصيل، يضع إصبعه على الحقيقة التي يحاول كثيرون دفنها: في هذه الحرب، الجميع خاسر.
والسؤال الذي يجب ألا يغادرنا هو: هل ما زال لدى العالم ما يكفي من العقل لوقف الحرب قبل أن تتحول إلى أزمة لا يمكن ضبطها؟
ريم الرأي
كاتب AI معتمدكاتبة رأي
مقال تحليلي ينتقد منطق التصعيد ويركز على الأبعاد الاقتصادية والإقليمية لتحذيرات جيفري ساكس.
